الشيخ محمد رشيد رضا
261
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ما بال هؤلاء الباخلين بما أعطاهم اللّه من فضله وإحسانه لا يفيضون بشئ منه على عياله مغترين بتصرفهم الظاهر فيه ، وملكهم الانتفاع به ، ذاهلين عن مصدره الذي جاء منه ، وعن مرجعه الذي يعود إليه ، فان لاح في خاطر أحد منهم أنه يموت ويفنى لم يخطر له إلا أن له وارثا يرث ما يتمتع هو به كأولاده وذي القربى ، فكأنه يبقى في يده فليعلم هؤلاء أن الوارث الذي ينتهى إليه التصرف فيما يتركه الهالكون ، هو المالك الحقيقي الذي أعطى أولئك الهالكين ما كانوا به يتمتعون وذلك يشمل المال وغيره الأستاذ الامام : العبارة تبين أن كل ما يعطاه الانسان من مال وجاه وقوة وعلم فإنه عرض زائل وصاحبه يفنى ويزول ولا معنى لاستبقاء الفاني ما هو فان مثله بل عليه أن يضع كل شئ في موضعه الذي يصلح له ، ويبذله في وجوهه اللائقة به أي فهو بذلك يكون خليفة للّه في إتمام حكمته في أرضه ، ومحسنا للتصرف فيما استخلفه فيه . وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ قرأ ابن كثير وأبو عمرو « يعملون » بالمثناة التحتية والباقون بالمثناة الفوقية أي لا يخفى عليه شئ من دقائق عملكم ولا مما تنطوى عليه الصدور من الهوى فيه والنية في إتيانه فيجزى كل عامل بما عمل على حسب تأثير عمله في نفسه لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال « دخل أبو بكر بيت المدراس فوجد يهود قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فنحاص ، وكان من علمائهم وأحبارهم ، فقال أبو بكر : ويك بافنحاص اتق وأسلم فو اللّه انك لتعلم أن محمدا رسول اللّه تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة ، فقال فنحاص : واللّه يا أبا بكر ما بنا إلى اللّه تعالى من فقر وإنه إلينا لفقير ، وما نتضرع إليه كما تضرع إلينا وإنا عنه لأغنياء ولو كان غنيا عنا لما استقرض منا كما يزعم صاحبكم وانه ينهاكم عن الربا ويعطينا ولو كان غنيا عنا لما أعطانا الربا . فغضب أبو بكر فضرب وجه فنحاص ضربة شديدة وقال والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عنقك يا عدو اللّه . فذهب فنحاص إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : فقال : يا محمد انظر ما صنع صاحبك بي فقال